في زمنٍ من أزمنة بني إسرائيل، وبين قومٍ عانوا الاستضعاف طويلًا، ظهر رجلٌ اسمه قارون. لم يكن غريبًا عنهم، بل كان واحدًا منهم، يعرفونه ويعرفهم، لكنه سلك طريقًا غير طريقهم، واختار لنفسه درب الكِبر بعدما فُتحت عليه أبواب الدنيا.

آتاه الله مالًا لم يُؤته كثيرًا من الناس؛ خزائن عامرة، وكنوز متراكمة، حتى إن مفاتيح خزائنه كانت تُحمل على ظهور الرجال الأقوياء فتثقلهم. ذهبٌ يلمع، وفضة تتكدس، وقصور تُشاد، وأراضٍ تُزرع، وخدمٌ يلبّون، وجاهٌ يزداد يومًا بعد يوم.

وذات يوم، خرج قارون على قومه في أبهى زينة؛ ثياب فاخرة، وحُليٌّ تتلألأ تحت الشمس، ومواكب تُحيط به من كل جانب. مشى متبخترًا، كأن الأرض خُلقت له، وكأن النعمة لا تزول أبدًا. رآه الناس، فاهتزت القلوب؛ بعضهم أُعجب، وبعضهم تمنّى، وقال الذين تعلقت قلوبهم بالدنيا:

يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم!

لكن في وسط تلك الأصوات، ارتفع صوت آخر… صوت إيمان وبصيرة. قال أهل العلم واليقين:

ويحكم! لا تغرنّكم الدنيا وزينتها، فإن ما عند الله خيرٌ وأبقى. إن الثواب الحقيقي ليس في كنزٍ يُعدّ، ولا في قصرٍ يُشاد، بل في قلبٍ خاشع وعملٍ صالح.

ونصحوه قائلين:

لا تفرح فرح البطر والغرور، فإن الله لا يحب الفرحين. وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تسعَ في الأرض فسادًا.

لكن قارون لم يكن يسمع إلا صدى نفسه. نظر إلى ماله، ثم نظر إلى ناصحيه بازدراء، وقال بكلمةٍ كشفت ما في قلبه:

إنما أوتيته على علمٍ عندي.

كأنما نسب الفضل إلى نفسه، ونسي أن المنعم هو الله. ظنّ أن ذكاءه وحده هو الذي جمع المال، وأن قوته هي التي صنعت مجده، وأن النعمة حقٌّ مكتسب لا عطية مُعارة.

ازداد غروره، واشتدّ بغيه، وغفل عن أن النعمة إذا لم تُشكر انقلبت نقمة.

ثم جاء اليوم الذي لم يكن في حسبانه. لم يُسمع فيه صوت سيف، ولم تُرَ فيه جيوش، لكن أمر الله إذا جاء لا يرده أحد. اهتزت الأرض تحت قدميه، وانشقت فجأة، فبدأ يغوص فيها شيئًا فشيئًا. حاول أن يثبت، أن يتشبث، أن يصرخ… لكن الأرض كانت مأمورة، لا تعصي.

غاصت قدماه، ثم ساقاه، ثم جسده، وانهارت معه قصوره وخزائنه، وسقطت الكنوز في الشق العظيم، كأنها لم تكن يومًا زينة تُبهر العيون. ابتلعته الأرض وابتلعت داره، وسكنت الضوضاء فجأة، وبقي المكان صامتًا إلا من أثرٍ يروي قصة نهاية متكبر.

وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون بقلوب مرتجفة:

ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون.

أدركوا متأخرين أن الغنى ليس دليل رضا، وأن الفقر ليس علامة هوان، وأن المال إن لم يُسَخَّر لطاعة الله صار سبب هلاك صاحبه.

تلك ليست قصة رجلٍ مضى فحسب، بل مرآة لكل قلبٍ يُفتن بالمال، ولكل نفسٍ تُعجب بزينة الدنيا. فكم من نعمةٍ رفعت صاحبها بالشكر، وكم من نعمةٍ أردته أرضًا بالبطر.

فإذا قرأت هذه القصة، فتذكر:

أن الأرض التي تمشي عليها قد تنشق يومًا بأمر الله،

وأن المال الذي تجمعه ليس ملكك حقيقة، بل أمانة بين يديك،

وأن الزينة التي تخرج بها قد تفتنك قبل أن تفتن غيرك.

تواضع لربك، واشكره على ما أعطاك، وأحسن كما أحسن إليك، واجعل الدنيا في يدك لا في قلبك.

وإن رأيت في هذه القصة عبرةً أو تذكرة، فلا تبخل بها على غيرك.

انشرها، فلعلها تصل إلى قلبٍ غفل فاستيقظ، أو نفسٍ اغترّت فتراجعت، أو إنسانٍ نسي أن فوقه ربًا يخفض ويرفع.

كلمةٌ منك قد تكون سبب نجاة، ومشاركةٌ بسيطة قد تكون لك صدقة جارية.

فانشر الخير، وكن سببًا في إحياء القلوب.

#رمضان_احلى_مع_بينانس

$BTC

BTC
BTCUSDT
71,420
+2.88%

$USDC

USDC
USDCUSDT
0.99951
+0.01%